الخميس، 27 يناير، 2011

كُن عابِراً , و اشترِ رأسك


لا تسألني عن الأيامِ الحافيّة ,
هوّ ذا حذاؤها مُعلّقٌ قُربَ جسدي , كنتُ أتصارعُ معهُ في بادئ الأمر حتى لا يُزاحمني في وقوفٍ يناسبني وحدي , إلى أن استسلمتُ لِـ واقعٍ لا قدرة لِـ ضعفي على تغييره !
سُرقت لحظاتي مِن جسدِ الزمنِ , هيّ وحدها تُمارِسُ شهوةَ الهروبِ مِن أنظارِنا , تحتالُ على مواعيدنا فنظنُ أن موعِدَ الحنينِ فات , و أن قِطارَ العبورِ لِـ شوقٍ مُربِك عُطِلَ في محطةٍ نجهلُ مكانها !
أتظننا فقدنا قدرتنا على الإحساس ؟ لهذا نحنُ نقفُ دونَ دهشةٍ تُحرِضُنا على العبثِ بِ أجسادِنا المعلّقة قُربَ حِذاءٍ لا يحمِلُ روائِحَ طرقاتٍ نعرفها ؟
أتظننا إبتلعنا مشاعِرنا بدلاً مِن مسكناتِ المشاعِرِ التي تملأ جيوبنا ؟ ألهذا فقدنا أقدامنا في ركضٍ ما كنا نتبعه ! اهترأت أقدامنا , تخلينا عنها , و صعدنا بِ أنفسنا إلى مرحلةٍ أكبر مِن اللحاقِ بِ اللحظاتِ المتسللة , إلى مرحلةٍ أعظم مِن ترميمِ خرابِ الطرقاتِ العابثة بِ أصابِعِنا , أصبحنا نقفُ في طابورِ الجادين الذين لا يعبثُ بِ جديّةِ ملامِحهم صوتُ بكاءٍ أو ضِحكةُ عابِرة , نواسي جسدنا الذي لم يستطع أن ينتصِرَ على حِذاءٍ ركلنا في أعمقِ خيباتِنا !
هيّ الخيباتُ تجري و تفتحُ ذراعيّها كـ أكبرِ ما يكون , تحصِدُ أكبرَ عددٍ مِن أرواحِنا المشرّدة , تضمنا معاً , و تتلو في آذانِنا ," أنتم في الحُزنِ سواسيّة , تخلوا عن نضالكم , و إحزنوا ! "
وحدها روحي كانت تصِلُ متأخرة دائِماً , فتفلِتُ مِن دعاءِ الخيبةِ , تفلِتُ مِن مقوماتِ الحياةِ بينَ ذراعيّ خيبةٍ طيّبة , وحدها روحي تتكبر و تعترض و تتجبّر , تخرجُ عن طوعِ كُلِ مسكن , تُسرِفُ في بناءِ وطنٍ مِن ماءٍ و تُراب و تظن أنها ستصِلُ لِـ منافِذَ النورِ , يختلِطُ الترابُ بِ الماءِ لتتجدد الخيبة و يتقلّصُ النور و تعودُ متحجرة في انتظارِ حصادِ خيبةٍ طيّبة !
هل جربتَ يوماً أن تُصبِحَ محطة ؟
تعبرُكَ الوجوه , تعبُركَ الذاكِرة , تعبُرُكَ التفاصيل , يأخذونَ كُلَ أشيائِهم قبلَ مغادرتِهم , ربما يتركونَ عند أبوابِكَ أشياء لا تعني لهم شيئاً , ربما تحتفظُ أنتَ بِ تلكَ الأشياءِ الوضيعةِ , تعتني بِها إلى أن تكبر , فيعودونَ في زمنٍ لاحق , تلفتهم فتنةُ أصابِعكَ على أشيائِهم , ينتزعونها مِنكَ دونَ أن يسألوا فيكَ رغبتك !
ربما أنتَ بِ الفعل محطة !
ربما تعيشُ على أمنيّةِ أن يمرَ بِكَ عابِرٌ فيبقى , أن تُغيّرَ الأقدارُ دفاتِرها , أن تُغيّر الحياة مسالِكها , أن تُصبِحَ كُلُ الطرقاتِ توصِلُ إليّك دونَ منافِذَ خروجٍ و هجر!
و تزرعُ أمنيتكَ عندَ كُلِ مفرق , و في جيبِ كُلِ عابِر!
أنتَ تغفلُ عن كونِ العابرين يفرغونَ جيوبهم قبلَ رحيلِهم , يفرغونَ كُلَ اللحظاتِ تحتَ أقدامِ عابرينَ آخرين , تختلِطُ اللحظاتُ في فزع , تفّرُ جميعها , و لا تبقى لحظةً واحدة تحمِلُ وفاءً يخصك !
هل جربتَ يوماً الغرقَ دونَ ماء ؟
أن ترى وِشاية أطلقها أحدهم في زمنِ لا يخصك تصِلُ إليّكَ و تأكُل وجهكَ قبلَ غيرك !
تركُلُ موجَ الأحاديثِ الكاذِبة , لتفتحَ عينيّك على حقيقةِ أن الموج تجاوزكَ إلى غيرك , تجاوزكَ و لوّثَ فيكَ حُزنك , أصبحَ حُزنكَ رمادياً , و طُبِعَ على كتفيّكَ : غريق لم ينجو بعد !
و يتبدّلُ لونُ حُزنِكَ إلى أن يتشكلَ على هيئةِ امرأة أحبتك , قاسمتكَ خُبزكَ , فوهبتَ رغيفكَ عِطرَ جسدك , و وهبتكَ هيّ الحياة مِن قلبها , ثُم ماذا ؟ يقفُ العالم بِ أكملهِ في طريقكما , يعلِنُ العالمُ بِ أكملهِ عن كونكما لا تستحقانِ الحياةَ معاً , يصرُ العالمُ بِ أكملهِ أن جنينَ الحُبِ خطيئة , و قتلُ الخطيئة واجب ترفعُ لهُ كُلُ سُلطاتِ البشرِ مدافِعهم !
هل جربتَ أن يتذكركَ الوطن و أنتَ في نشوةِ فرحِكَ حتى يكسِرَ على ظهركَ حُزناً لا تقوى على حملهِ ؟!
أن يتعرّف عليكَ الكون عندما تجدُ هويّتكَ في صفحةٍ ما , فيلوي ذراعَكَ إلى أن تُبترَ ذراعُكَ و تسقُط هويتُكَ في وطنٍ مِن نار بُنيَّ جيّداً ليناسِبَ حالاتِ الغُربة و الوحدة التي تسكنك !
ربما أنتَ تغرقُ بِ الفعل , ربما غرقتَ منذُ فقد , و مازلتَ تُجاهِدُ لِـ الوصول و أنتَ تتغافل عن كونِ أصحابِ الجثثِ السليمة وحدهم الناجون وحدهم من يَصل وحدهم من يُشيّعْ و تبكي عليهم طيورُ المنفى !
لو كنتَ من الناجين , حتماً ستروي عليهم حكايةَ غرقكَ بِ ريبة , و سـ تُلاحِظَ سرحانَ أعينهم و سفرها عنك , و لكنّكَ لن تتوقف عن الحديث , لن تتخاذلَ في جذبِ انتباهِهم , تُحذرهم مِن وطنٍ يستعجلُكَ أن تكبر , فتكبر و يُلقي بِ أقدارِكَ إلى وطنٍ آخر , تُشيّدُ وفاءكَ له , و لكن سُرعان ما يتلاشى الوطن و تنتهي كُلُ الحكايا قبلَ أن تبدأ و تجدُ نفسكَ غريقاً و لا يسمعكَ أحد , لا أحد !
كبرنا .. لنكونَ غرقى في خليطٍ من ماءٍ و تراب , حتماً خلقنا لِـ نُعلّقَ أجسادنا على ذاكَ الجدار , لنعانقَ ساق الوطن في انكسار , لـ نقف على جثثنا و نراقِبُ بِ صمت .

هناك 4 تعليقات:

  1. رآآآآئــعــه,,ّ


    وؤلكم بآآآك حيااتو

    ردحذف
  2. جرّبت وجرّبوا , كلنا جربنا وإن كان ثمة إختلاف فهو في ردّات الفعل ,تلك التي تحدث بعد أن نستوعب كوننا محطات بائسة فيها مشاجب كثيرة تتدلى منها أشياء لا تمت لنا بصلة لو أمعنا النظر !

    - أفكر أقتبس منكِ واحطه في حسابي الفيسبوكي من بعد إذنك طبعاً يا مدهشه ()

    ردحذف
  3. يا حلوى ذابت على شِفاهِ الصباح ,
    صباحُكِ .. مذاقُ قلبكِ ..
    يا ℓσłliρσρ g!rℓ

    أهلاً بِكِ دائِماً .. صديقة للمطر .

    ردحذف
  4. تلكَ المحطات البائِسة , تمتلء شروداً
    و سذاجة ,
    كُلّما عصفت فيها الرياح حملت نفسها إلى وجوهٍ قديمة !
    تلكَ المحطات بائِسة لا توضبُ حقائِبها إلى نحو الماضي .. !
    بائسة , كسيرة و حتماً لا ترى !


    Sesa

    لكِ ما أردتِ ..
    فقط احفظي حقوق حرفي , و سأكونُ لكِ شاكِرة و ممتنة :) .

    ردحذف

تحتَ بابي , قلبٌ غافي , فرفقاً بِ خلوتهِ .