الثلاثاء، 25 مايو، 2010

رسالة مِن رجلٍ ميّت .





رائحةُ النافِذة مِسكُ رجلٍ مسن !
استوى على الكُرسي الذي يقفُ خلفَ النافذةِ منذ أعوام . .
لا تُبدلهُ تغيّرات المكان ,
و لم يحمل أقدامه و يهربُ خلفَ صوتِ نداءاتكِ الأخيرة , و لم يزعجهُ صوتُ انكسارِ الخيبةِ الأخيرةِ على بابي !

عندما سمعتُ وقعَ أقدامِ رحيلكِ ,
لم يكن بِ استطاعتي تفريغ كُلِ الحُزنِ في صدرِ مدينتي ,
أصبحَ صدرُ مدينتي مزدحماً بالأحزان , و لا مكانَ لِـ حُزنٍ أكبرَ مِن اتساعِ أرضِها ,
لِـ هذا قررتُ الرحيلَ أيضاً , إلى غُربةٍ أخرى , ظننتها ستنسيني غُربتي فيكِ !

كانت كُل القراراتِ ثقيلة ,
و ما كانَ لي خيار غيّرَ أن أسلّمَ يديّ إلى الله ,
فكرتُ كثيراً كيفَ أنّ يديّكِ لن ترافقا يديّ في دُعاء , و كيفَ أنّي سأحمِلُ دموعي إلى الله وحدي ,
و سأذهبُ إلى الله بِ كُلِ شكوايّ , و كيفَ أنّكِ ستصبحينَ الحديثَ الأكثرَ أهميّة بيني و بينَ ربي !
لم أكن أستطيعُ أن أخلِقَ في رأسي قوة لِـ تحملِ الصدمةِ الكبيرة ,
و لم يكن قلبي يُسابِقُ أيامي لِـ نجتازكِ أنا و هوّ ,
كانَ يقفُ عندَ الصفحةِ الأخيرة لِـ لقائِنا الأخير , عندَ آخرِ حرفٍ لكِ , ظَلّ متسمراً , و تركني أركضُ و أجاري الوجعَ وحدي ,
و أنا ممتلء بِ الوحدةِ , و هوّ ممتلء بِ وجهكِ و صوتكِ و رائحة غيابكِ !
كنتُ أنتظرُ مِن السماءِ أن تبتلعَ أقدارها , أن توقظني على قدري القديم معكِ , أن أستيقظَ على قلبكِ , يحملُ جسدي و يخبئ كوابيسَ الرحيلِ .

كانت السماء ترتدي لونكِ , و تشهدُ بِ لونِها امتدادَ حُزنٍ طويلٍ داخلي !
حتى المدينة الجديدة , كانت شوارِعها المتزاحمة , و متاجرها الفاخرة تُشعرني بِعدمِ الإنتماء , فـ أسافِرُ عنها بِ خيالي إليّكِ ,
و يعبرُ أمامي شريط ذكرياتي معكِ , فـ أشعرُ بِ انطواءِ السماءِ فوقَ رأسي , و بِ عنقي تتضاءل , و بِ الحُزنِ يخيّمُ على كُلِ أجزائي , فلا أستطيعُ رفعَ رأسي بِ أمنيّةِ لقاء , فـ اللقاءُ بِكِ أصبحَ كـ معجزة مستحيلة , و أنا في مدينةٍ لا تعرفني و لا تعرفُكِ !

تتسللُ الدموع مِن تحتِ جفني المُغلق , ملء الخوف و ملء الفقدِ و ملء عُتمةِ الشارعِ و اختلافِ ملامحِ أهلهِ . .
و تبدأ ألوانٌ مختلفه بِ اقتحامِ مقاهي شوارع المدينة , و الأغنيات الصاخبة و ضحكات السكارى , و ضجتهم تنتقلُ إلى قلبي ,
ها أنتِ بينَ أصابعي , تدورين , ها أنا أهيمُ في لونِ فستانكِ , و ها هي الوجوه مِن حولنا تختفي , و يخفُ وميضُ الأضواءِ و تختفين !

أشعرُ بِ دوّار , عندما تصفعينني بِ الرحيل , فلا أستيقظُ إلا على انتشارِ الألمِ في كاملِ جسدي !
هجرتني و هجرني وحيكِ , و تركتني وحيداً أضّلُ طريقي , و أرى سعادتي تتلاشى , و أرى قلبي يحترق , و وجهكِ يتمزقُ في ذاكرتي مِن فرطِ تعلّقِ أصابعي بِ ملامحهِ , فـ أرى كُلّ تِلكَ الفواجعِ , فأيّ قلبٍ تملكين !

ألصقُ خدي بِ زجاجِ النافذة ,
و أناديكِ : " أيتها الغائبة خلفَ نوافذِ السهر , أيتها الراحلة خلفَ ستائرِ العُمر ,
تعالي أرجوكِ , المكانُ مريعٌ جداً ,
الأماكن تكبر , و حُزني يكبر , و لا يدَ تمدُ أصابِعها إليّ و تسقطُ عنّي هذا الغيابَ و هذا الوجع ! "


و لا يشعرني بِ بقائي على قيدِ الوجع , غيّر الزجاج البارد , و صوتُ الرياحِ و أظنها تلعنُ ضعفي بِكِ ,
و أنتِ لا تعودين !




وجِدت على جِدارِ منزلٍ مهجور .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تحتَ بابي , قلبٌ غافي , فرفقاً بِ خلوتهِ .